رئيس التحرير
عصام كامل

لو صدَّقْتَ أن في مصر ديمقراطية.. قُل طاسَة!


"السياسة كياسة".. هكذا بدأت حواري مع صديقي الذي يصغرني بعشرين عامًا.
"بل السياسة نجاسة"...هكذا كان رده.

ربما تخطفك مفردة نجاسة إلى فضاء الخطاب الديني، والسلفي على وجه التحديد.. لكن الحقيقة أن صديقي هذا علاقته بالدين لا تبعث على السرور، وإنما استخدم المفردة لوصف السياسة بأشد المفردات إثارة للاشمئزاز.


تبادلنا الحوار بعيدًا عن طقوس الصراخ وتلويحات الأذرع والأصابع ومؤثرات الصوت الإسكندراني التي صارت نهجا معتمدًا منذ يناير2011.

شرعت أنا في تعضيض أطروحتي عن وصف السياسة والسياسيين بالكياسة معتمدًا على رصيد لا بأس به من التاريخ.. ربما لأنني من جمهور المدرسة الأخلاقية في النشاط الإنساني بعمومه وإن كان هناك بعض الشطط لكنه خروج عابر على القضبان سرعان ما يعود قطاري عليها.

رد هو بضحكة ــ فَشَر ضحكة فيفي عبده وهي رايقة ــ ثم شفط نفسًا من سيجارته وقال مستهزئًا: عندما تقول السياسة كياسة كأني أسمع عبارة البلطجية الشهيرة "الصياعة أدب".. هل رأيت تزييفا أبشع من ذلك؟! وأضاف قائلا ياعزيزي نحن نعيش على سنة سيدنا ميكيافيللي.. كل السياسيين قماشة واحدة أو خيشة واحدة.. الطينة من الطينة واللَتَّة من العجينة.. واعرف من البشر من لا يصدق ذلك، وهذا النوع سيعيش حمارا ويموت حمارا.. "طبعًا يقصدني هذا السافل".

قلت ليستمر النقاش هادئًا.. وطلبت منه التوضيح.. هو قال لن نذهب بعيدًا.. وسألني هل صدقت أن في مصر ديمقراطية؟ أنا قلت له أكمل.. قال ياحبيبي الديمقراطية هي ديمقراطية المتغلب بالشوكة كما يقول السلفيون.. ولا داعي للخوض فيما نهجه السلفيون حتى لا ندَع فرصة لسباب لن نتمكن من وقفه.. هي ديمقراطية المتغلب بالذراع يفرضها بقوانينه هو لا بقواعد اللعبة كما يلعبها باقي البشر.

قال لي لنقَرِّب العدسة قليلا.. لو أحصينا الألاعيب التي جرت للسيطرة على مجلس النواب ما تمكنا من حصرها.. ألاعيب من خارج منظومة المؤسسات وألاعيب من المؤسسات ذاتها.. ألم تسمع عن تهديدات لأي نائب يحاول العبث بالتركيبة البرلمانية سابقة التجهيز التي جرى طهيها قبل الانتخابات؟

تعال للمرشحين.. كانوا يسبون الإخوان "بتوع رشاوى الزيت والسكر الانتخابية" ثم قاموا بتوزيعها علنا بالشوارع بعد أن أضافوا عليها نفحة لحوم.. زد على ذلك فضائح شراء الناخبين بالصوت والصورة والرائحة.. ثم يقفون تحت القبة يتحدثون عن النزاهة والشرف ياآه ياآه.

قلت له وأنا على وشك القيء.. كفاية الله ينتقم منك.. لكن دعني ألتمس العذر للقيادة السياسية..الحياة السياسية في حالة سيولة ورخاوة والبوصلة لا تستقر على اتجاه..وأنا لو في موقع المسئول لسرت على صراطه.. فقاطعني قائلا دخلنا في التطبيل.. قلت غاضبا أنا لا أطبل.. فقال لننهي الحديث بإيجاز شديد على طريقة عناوين الصحف دون الدخول في تفاصيل قد تحتاج كتبًا.. لو أحصينا سقطات الساسة من النخب والمفكرين والإعلاميين والنشطاء ورجال الأحزاب والجماعات والمنظمات، ومن هم في مواقع المسئولية لكان العنوان الجامع المانع بأضخم بنط "السياسة نجاسة".

الحَقُّ أقول إنه ألْجَمَنِي.. حاولت الاستدراك بقولي ليس في كل الحالات وأن السياق التاريخي والظرفي ربما يجنح بالسياسة بعيدا عن الكياسة.. فقاطعني ثانية ولكن بحدة قائلا يا أخي انطق دوغري دون لف ودوران.. ثم باغتني بسؤال عجيب قائلا لي: قل طاسة.. وكأني مخدَّر قلت طاسة.. قال لي مامتك رقاصة وانصرف.. قليل الأدب.
الجريدة الرسمية