رئيس التحرير
عصام كامل

دعم السياحة على نفقة المرحوم


أنا أفهم أن تعلن الأحزاب السياسية دعمها للسياحة في أزمتها الطاحنة، وأفهم أن تعلن مؤسسات المجتمع المدني ذلك، وأفهم أن تعلن شركات القطاع الخاص والعام وكل الموظفين والمدارس والجامعات حكومية وخاصة عن برامج فعلية لدعم السياحة؛ لمواجهة الأخطار التي (تحيق) بها كقطاع حيوي وهام، وأفهم أن تطرح وزارة السياحة برنامجا واضحا لإدارة تلك الأزمة، وأفهم أن تشارك مؤسسات متخصصة وعلماء وخبراء ومختصون في برامج لتشجيع السياحة الداخلية.


أفهم كل ما سبق.. غير أنني لم أفهم حتى الآن، أن يتصور رئيس الحكومة أن اجتماعه بوزرائه في مدينة شرم الشيخ هو دعم للسياحة، ولم أفهم حتى الآن إعلان السيد وزير الأوقاف عن تنظيم رحلات للأئمة والوعاظ إلى مدينة شرم الشيخ؛ دعما للسياحة، ولم أستوعب سفر وزراء وخفراء وموظفين لشرم الشيخ، معلنين أنهم يدعمون السياحة.. الوزراء الذين سافروا والمحافظون الذين تجولوا والقوافل التي تنظم كلها على نفقة الدولة!!

المعنى هنا أن فرح العمدة المسمى دعم السياحة، لن يكون سوى دعم السياحة على نفقة المرحوم، والمرحوم هنا هو الشعب.. الشعب يدفع الضرائب وأئمة وزير الأوقاف يسيحون.. الشعب يدفع الضرائب ووزراء إسماعيل ينعمون بزرقة مياه رأس محمد.. الشعب يدفع الضرائب وموظفو مكاتب الوزراء يتمتعون بهواء مدينة السلام.

والمغزى أيضا أن الحكومة ستدفع من جيبها الشمال لتصب في جيب القطاع اليمين، والسؤال: هل هذا الدعم جاء بالدولارات؟.. بالطبع لا، إلا إذا كان السادة الوزراء والخفراء يقصدون بتنظيم هذه الرحلات، أن تكون مدفوعة بالعملة الصعبة، التي أصبحت العملة النادرة.

للأسف الشديد لا نزال نفكر بنفس الطريقة القديمة، فنطرح أفكارا للإعلام والإعلام الداخلي فقط، فلا الغرب تأثر برحلات الأئمة والوعاظ، ولا الشرق أدرك قيمة اجتماع مجلس الوزراء بالمدينة العالمية الجميلة، ولأن أجدادنا قالوا "اعطِ العيش لخبازه"، فإن الأمر يجب أن يطرح على المتخصصين؛ لوضع برنامج طويل الأجل لتنشيط السياحة الداخلية، واعتبار هذا الأمر من ضرورات الأمن القومي.

وقد يتصور البعض أن السياحة الداخلية ستدر عائدا بالعملة المحلية دون فوائد أخرى، غير أن المتخصصين يرون أن بلدا بلا سياحة داخلية لا بد أن تفشل في تسويق نفسها.. السائح الداخلي يشغل حيزا مهما من الفراغ، ويمنح المؤسسات السياحية نفسا في المنافسة على الأسعار، إضافة إلى أن النجاح في السياحة الداخلية يمنح هذا القطاع قبلة الحياة الأبدية.. المصري الذي يتعامل مع المنشآت الفندقية تصبح لديه الفرصة إلى الاحتكاك بالآخرين، ومن ثم يصبح أكثر قدرة على استقباله، إضافة إلى تنامي الوعي السياحي بين الجماهير العريضة، وهو أهم أزمة تواجه هذا القطاع.

وبعيدا عن مهرجان التوك شو من على بحر شرم، وبعيدا عن شو رئيس الحكومة، وبعيدا عن تهافت وزير الأوقاف، وبعيدا عن خزعبلات الفنانين وسذاجتهم، فإن شخصيات مثل علي عبد العزيز وحامد الشيتي وسميح ساويرس وغيرهم كثير، هم الأولى بالحديث الآن، خاصة أنهم قد واجهوا أزمات أصعب من ذلك بكثير، واستطاعوا في فترات وجيزة أن يعيدوا الأمور إلى نصابها.

السائح الأوربي المطارد الآن بضغط من بلاده، لن تقنعه ممثلة درجة أولى أو ثانية أو حتى ترسو، أن يأتي؛ لأنها ترى أن بلادها هي الأكثر أمانا، والسائح الروسي المرحل لن يعود؛ لأننا نغني له "يا أغلى اسم في الوجود.. يا مصر"، والسائح الإنجليزي لن يعيده برنامج توك شو متخلف أو حتى متقدم.. السائح يذهب بعيدا ويعاني السفر من أجل المتعة، ولا يمكن تصور أنه قد يفعل ذلك نضالا من أجل بلد ما أو أنه جاد مضحيا بحياته - كما صورت له بلاده - ليرفع علم مصر خفاقا.

السائح يحب شرم؛ لأن ما فيها ليس في غيرها.. بلد الشمس.. وطن السلام.. مقر الهدوء والجمال والمياه الزرقاء.. عاصمة الغطس والشعاب المرجانية ومستقر الكائنات البحرية.. السائح لن يأتي؛ لأن وزير الأوقاف أتى أو لأن شريف إسماعيل اجتمع هنا.. السياحة فن وعلم دعوها لأصحابها وأهلها والعاملين فيها.

وأتصور أن أهم خطوة كان واجبا على الحكومة أن تتخذها، أن تأمر وزير المالية برفع يده عن هذا القطاع الآن.. أن ينسى تماما قضية الضريبة المالية والعقارية التي يحاول جاهدا فرضها على المنشآت السياحية.

ثاني القرارات التي يصبح لزاما على الدولة بكل مؤسساتها القيام بها، ممارسة ضغوط على البنوك لتفهم الوضع الحرج الذي تمر به السياحة.. ثالث هذه الإجراءات وضع خطة إعلامية - لا توجه إلى جمهور مقاهينا ومصاطب قرانا وإنما توجه إلى صاحب الشأن - إلى السائح في بلاده، مع تشكيل مجموعة طوارئ تدير هذه الأزمة حتى نعيد الأمور إلى نصابها، إضافة إلى التركيز على أسواق أخرى أكثر تفهما لطبيعة بلادنا واستقرارنا مع السياحة العربية، والأهم من كل هذا الابتعاد عن طريقة "هشتك بشتك" الموروثة عن نظام سقط وراح بلا رجعة.
الجريدة الرسمية