رئيس التحرير
عصام كامل

اللواء طيار أحمد كمال المنصورى يروي ذكرياته في حرب أكتوبر.. مصر واجهت «منتخب العالم».. نجوت من مناورة «الموت الأخير» بمعجزة.. إعلان موعد المعركة كان ساعة «الفرج».. وأتشرف

اللواء طيار أحمد
اللواء طيار أحمد كمال المنصورى

طيار مصري مقاتل عاشق لذرات رمال هذا الوطن، ضحى بكل غال ونفيس من أجل نصر مصر في أكتوبر عام 1973، وكاد أن ينتهي عمره في لحظة دفاع باسلة عن سلاحه، ولأنه رجل صدق ما عاهد الله عليه وجاهد في سبيل وطنه ولم يخش الموت نجاه الله وجعل كيد الأعداء في نحورهم، وبمعجزة تمكن من الخروج سالمًا من مناورة بالطائرة كان مصيرها الموت المحقق، إنه اللواء طيار أحمد كمال المنصورى الشهير بـ«الطيار المصري المجنون» الذي كان لنا معه هذا الحوار ليحدثنا عن سر هذا اللقب وذكرياته مع حرب أكتوبر.


قصة عشق الطيران
وقال المنصوري لـ«فيتو»: «إن قصة عشقي للطيران بدأت منذ نعومة أظافري، ففى المرحلة الابتدائية كنت أدون اسمى على كتاب المطالعة يسبقه لقب نقيب طيار مقاتل، ونما الحلم بداخلى وازداد حينما طالعت السماء في ثورة 1952 لأجد الطائرات تحلق في الأجواء، وارتبط حلم الالتحاق بسلاح الطيران بالشعور بالرغبة في الانتقام مع اعتداء قوات الاحتلال الغاشم على مطار ألماظة عام 1967 ويومها تفجر بركان الغضب في صدرى وازدادت رغبتي في الأخذ بالثأر والدفاع عن تراب هذا الوطن».

وأضاف: «حرب أكتوبر واجهنا فيها منتخب العالم، فلم تكن القوات الإسرائيلية بمفردها على ساحة القتال، بل كانت تساندها الدول الكبرى وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ولكننا دافعنا عن أرضنا بشرف ولم نكن بالفريق الضعيف وتمكننا بعون الله من قطع دابر العدو لأن سماءنا محرقة ومياهنا مغرقة وهذه أرضنا».

وأشار إلى أن يوم الثأر، هو اليوم الذي سقطت فيه السماء على إسرائيل وثأرت قواتنا المسلحة لهزيمة 67 وتكبد فيه العدو الغاشم خسائر فادحة في 6 ساعات فقط، وعبرت خلاله قناة السويس وأبهرت العالم ولقنت الجيش الإسرائيلي درسًا لن ينساه إلى أبد الآبدين، قائلا: «لن أنسى لحظة عبورنا بالطائرات فوق القناة لتنفيذ الضربة الجوية الأولى، حينما كنا نرى الجنود المصريين يلقون بأنفسهم في المياه في لهفة للقتال ولم يستطيعوا الانتظار لحين انتهائنا من الضربة في رغبة حثيثة للقضاء على أسطورة بارليف الإسرائيلية ومواجهة العدو الذي اغتصب أرضهم».

كواليس ليلة الحرب
وتابع المنصوري: «ما زلت أذكر ليل الخامس من أكتوبر حينما وصلتنا معلومات بأن المعركة موعدها غدًا، شعرت بسعادة غامرة وشكرت الله على أن ساعة الفرج قد أتت بعد طول انتظار، وفى هذه اللحظة أعلن اللواء عادل نصر، قائد اللواء، أن التشكيل الأول في الضربة الجوية الأولى على إسرائيل هو تشكيل الفهود السوداء للمنصوري، وكانت هذه اللحظة هي الأسعد في حياتي، ولحظتها تلاقت عيناي بعيون زملائى وكنا نتساءل فيما بيننا عن المصير، من سيعود ومن سيلقي حتفه خاصة أننا وقعنا على أوراق تفيد بأن 50 % من المشاركين في العملية الأولى سيكونون في عداد الشهداء، ولكن الثأر كان هو كل همنا».

وأضاف: «طوال فترة الحرب لم نكن نرى عائلاتنا، وفى هذه اللحظة لم أتذكر سوى الرغبة في الثأر، وحينما أضع قدمى في طائرتي يغيب عن ناظرى كل شىء إلا الوطن، كان كل أملى تحرير أرض مصر ولم أفكر في مال أو عائلة فولائى وانتمائي لمصر».

لقب «الطيار المجنون»
وأردف اللواء المنصوري: «لقب الطيار المجنون لقب أتشرف به أطلقه علىّ جيش العدو بعد حرب أكتوبر، فحينما كنت أحلق بطائرتى 8040 خلال أيام الحرب، وجدت طائرة إسرائيلية تحلق خلفى وتوجه مدافعها وصواريخها نحوى، فقررت أن أقوم بمناورة الموت الأخير التي يلجأ إليها الطيار حينما يواجه الموت المحقق، ولا تتعدى احتمالية نجاته فيها نسبة 50% ويلزم لهذه الحركة أن تتم على ارتفاع ستة آلاف قدم، وبالفعل وجهت مقدمة الطائرة إلى الأسفل واندفعت بأقصى سرعة باتجاه الأرض فاعتقد اليهود أننى سأنتحر، ولم أستطع فعل شىء سوى الدعاء والرجاء من الله أن أظل حيًا لآخر الحرب وإن كان قدرى هو الموت فليشاركني فيه الطيار الصهيوني».

وأضاف: «نظرت في عداد الارتفاع وجدته ثلاثة آلاف قدم فقط، فتوقعت فشل المناورة وتأكدت أن مصيري هو الموت فناجيت الله من جديد ودعوته ألا أموت على أيدي العدو، وحينما اقتربت من الأرض ظهرت هالة من الأتربة جعلت الجيش الصهيوني يعتقد بأن الطائرة دُمرت، ولكن هذا لم يحدث وانطلقت الطائرة من جديد إلى السماء بعد استجابة الله لى ونجاتى بمعجزة، وفى الجو وجدت الطائرة الإسرائيلية أمامى فوجهت لها الصاروخ الأول وأصبت جناحها الأيمن، ثم أطلقت الثانى وأنا أقول له ابتسم أنت تموت الآن وبالفعل دمرتها».

وأكد أنه لم يفكر في القفز من الطائرة في هذه اللحظة قائلا: «كنت أفكر في قسمي أمام الرئيس عبد الناصر أننى لن أترك سلاحى أبدا حتى أذوق الموت، لذا كنت حريصا على سلاحى قدر حرصى على حياتي، خاصة أننا لم نكن نملك الكثير من الطائرات ولم تكن يد العون ممدودة لنا دائمًا لمنحنا أسلحة، وخرجت من مناورة الموت الأخير بفضل الله سليما معافى تماما، ولكننى تعرضت للإصابة خلال حياتي كطيار مرتين ووصلت نسبة العجز لدى إلى 50%».

الرئيس أنور السادات
وحول رأيه في الرئيس الراحل أنور السادات قال: «إنه الثعلب الماكر الجرىء وبطل الحرب والسلام من تمكن بذكائه وبنظرته ذات المدى البعيد من إعادة أرضنا المسلوبة فقط من خلال ورقة وهي معاهدة السلام التي استطاع أن يخدع بها بيجن».

التكريم
وقال المنصوري: «كرمنى الله أولًا بنجاتى من موت محقق أثناء المناورة وبمنحى حياة طويلة مديدة شهدت فيها تكريما من القوات المسلحة بمنحي كل الأوسمة والنياشين بدءًا من وسام الشجاعة مرورًا بميدالية جرحى الحرب والتدريب والواجب وكذلك وسام النجمة العسكرية، كما كرمنى الرئيس عبد الفتاح السيسي في العيد الأربعين لحرب أكتوبر وكان هذا أكبر تقدير من وطني مصر»، مؤكدا أن أبطال حرب أكتوبر لا يريدون شيئًا، وشموخ الوطن وعلية شأنه هو أهم تقدير وتكريم وهذا سيتم بفضل رجالها وشبابها فهم الأمل والربيع ونحن الخريف والشموع التي تنطفئ.

وأشار إلى أنه يزور طائرته الموجودة في بانوراما حرب أكتوبر، كل عام في ذكرى حرب أكتوبر، قائلا: «هذه الطائرة كانت تنافس زوجتى في حبها، أحضر سنويًا لأنظر لها وأقل فيها شعرًا كتبته خصيصا من أجلها، فهى رفيقة دربي ومن صاحبتنى في بطولاتى بالرغم من إمكانياتها التي لا تُقارن بالطائرات حاليا، فقد شاركت بها في حرب أكتوبر منذ الدقيقة الأولى وشاركت أيضًا في 52 طلعة عمليات، وكانت الطائرة الأخيرة التي شاركت في الحرب».

قناة السويس الجديدة
وأوضح أن السيسي قدم لمصر إنجازًا عظيما وهو قناة السويس الجديدة التي أنهى المصريون حفرها في وقت قياسي، قائلا: «نحن في 73 عبرنا قناة السويس بالعرض والسيسي عبرها بالطول على يخت المحروسة في تمام الساعة الثانية وخمس دقائق، وأدعو الشعب المصري أن يلتف حول الجيش وأقول دائمًا يسقط يسقط كل من يردد شعارات مسيئة لقواتنا المسلحة الباسلة».

واختتم اللواء طيار أحمد كمال المنصورى، حديثه لـ«فيتو» قائلا: «دمائى بها كرات بيضاء وحمراء وأخرى سوداء بألوان على مصر، وأنها تستحق أن أقدم لها عمرى وحياتي، ولقد أوصيت أبنائى وأحفادى بأن يدفنوا معي صورى وتسجيلاتي ونياشيني وأجزاء من الطائرات التي أوقعتها وورقة بيضاء كتبت بها رجاء إلى الله بتخفيض حسابي لدخول الجنة لأننى جاهدت في سبيله».
الجريدة الرسمية