رئيس التحرير
عصام كامل

بالصور.. «مدرسة السلطان حسن.. حكاية مصر المغلوبة على أمرها».. تحفة معمارية أرّخت لسنوات التناحر على عرش "أم الدنيا".. تفاصيل قتل «الأمراء» لـ«قماري» وإخفاء جسده.. وحقيقة

فيتو

مترجلًا في حديقة قصره.. يتحسس بيده أعواد الريحان.. يشفق أن يقطف واحدًا منها.. يكتفي بأن يشتم بأنفه تلك الرياح المشبعة بعطره الزكي.. ينظر إلى تلك السماء الخالية من النجوم، وذاك القمر الخافت الضوء.. كان الصمت ينبئه أن أجواء الحكم في مملكته ملبدًة بغيوم الخيانة.. وأن ذكراه قد تمحي بعد أيام من فنائه إذا قدر له أن يتلقي طعنة خنجر في ظهره.. أدرك أن تبوءه عرش مصر لن يحصنه من القتل الذي قد يأتيه بغتة.. من عدو بعيد.. أو صديق قريب....





أراد أن يخلد ذكراه.. عاد إلى مجلس الحكم آمرًا الحراس أن اجمعوا لي وزارئي ومهندسي العمارة في مملكتي.. قال لهم: فجروا أروع ما عندكم من مواهب.. شيدوا أيقونة ينحني أمام فخامتها ملوك العالم.. أقيموا أنشودة تتغني بها الألسن، وتستريح برؤياها الأعين.. اصنعوا لي بناءً يضم مدرسًة تفيض بعلومها على كل قلب شغوف بالتشبع من بحار المعرفة، وأحيطوها بمسجد يخاطب من مآذنه أهل الأرض، ملائكة السماء.. وبعد سبع سنوات من العمل الدءوب اكتمل بناء مدرسة ومسجد «السلطان حسن»، ليبقي أثرًا عتيقًا يخلد ذكري صاحبه، وشاهدًا على حقب من الصراعات والفتن السياسية، عاش خلالها الشعب المصري مغلوبًا على أمره، يعاني من ويلات الفقر والمرض الذي انتشر في ربوع المحروسة، بعد أن تفرغ الحكام لخوض المعارك سعيًا للظفر بعرش «أم الدنيا».







خيانة المقربين

«قماري» هو الاسم الحقيقي لـ«السلطان حسن»، والذي غيره بعد تبوئه سدة الحكم إلى «الناصر حسن بن السلطان المالك الناصر بن قلاون».. ولد في العام 736 هجرية، 1335 ميلادية، وتربع على عرش دولة المماليك البحرية بمصر والشام في العام 755هجرية، 1354 ميلادية، وبعد انقضاء 7 سنوات من حكمه طالته يد الخيانة ليقتل على أيدى بعض المقربين له من أمراء المماليك الذين رافقوه في إحدي رحلات الصيد في سنة 762 هجرية، 1360 ميلادية، ثم ألقوا جسده في النيل، لتجرفه المياه إلى مكان مجهول، لم يعرف حتى الآن.

وبالرغم من أن جسد «السلطان حسن» مجهول الهوية حتى وقتنا هذا، ولا يعرف إن كانت الأمواج جرفته على شاطئ النيل وواري في بقعة غير معروفة، أم أن الأسماك التقمته، إلا أن المصريين صنعوا له ضريحًا داخل المسجد، ويذهب الكثيرون للتبرك به، ويدعي البعض أنه أظهر العديد من الكرامات.


المدرسة والجامع

بدأ البناء في مدرسة ومسجد السلطان حسن، عام 757 هجرية، الموافق 1356ميلادية، واستمر العمل فيهما نحو 7 سنوات، وقد استخدمت الأحجار المشذبة، والرخام المتعدد الألوان، والجص الشاهق البياض، في تشييده، ليخرج بعدها تحفة رائعة شيدت على طراز المدارس في العصر المملوكي، لتشرع عقب افتتاحها في تدريس المذاهب الفقهية الأربعة.

وقد وقعت حادثة مقتل «السلطان حسن» قبل أن يكتمل بناء مدرسته ومسجده، ورغم أن «الأمير بشير أغا الجمدار» أكمل في العام 764 هجرية، 1362 ميلادية، البناء من بعده، إلا أنه لم يضف عليها كل النقوش والزخارف التي انتقاها «السلطان حسن» ليكمل بها جدران بنايته، لتغرد الأنشودة في سماء الخلد بنغمة حزينة، ترثي تلك الحبة التي لم توضع في هذا العقد المعماري الفريد، والتي لو قٌدر لها أن توضع لأصبحت جدران المدرسة متحفًا لفن الزخرفة الإسلامية.




المساحة والتصميم

وتشغل مدرسة «السلطان حسن» مساحة قدرها 7906 مترًا مربعًا، فهي من حيث الشكل متعددة الأضلاع، ذات أربع واجهات تطل جميعها على ميدان القلعة، وعلى الشوارع المؤدية إليه، ويقع المدخل الرئيسي للمدرسة في الطرف الغربي للواجهة الشمالية، وهو متوج بمجموعة كبيرة من المقرنصات الحجرية التي لا مثيل لها في تشكيلها الهندسي، جعلت منه تحفة أثرية فائقة الجمال.






ومدرسة «السلطان حسن»، من حيث التصميم المعماري تنبع من نظام المدارس المملوكية المعروف باسم «التخطيط المتعامد»، والذي يتألف من صحن أوسط مكشوف تحيط به 4 إيوانات، أوسعها وأعمقها إيوان القبلة.







والصحن الأوسط في المدرسة، مستطيل الأبعاد، ويتوسطه «نافورة ماء» أصبحت الآن ميضأة، تعلوها قبة خشبية محمولة على ثمانية أعمدة رشيقة من الرخام الأبيض، ويحيط بالصحن 4 مدارس للمذاهب السنية الأربعة، «الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنبلية»، وخلف هذه المدارس توجد مساكن الطلاب الذين كانوا يأتون للدراسة فيها، وهي موزعة على ثلاثة طوابق، وتطل نوافذها على الطريق العام.





صاحب التصميم

أجهد علماء الآثار الأوربيون أنفسهم في البحث عن المهندس العبقري الذي قام بتصميم هذه المدرسة، إلا أن محاولاتهم البحثية باءت بالفشل، إلى أن عثر الأثرى المصري «حسن عبد الوهاب»، في عام 1944 ميلادية، على اسم المهندس الذي أشرف على تصميم هذه المدرسة وبنائها وهو «محمد بن بيليك المحسنى»، وهو من أولاد أمراء المماليك الذين قربهم السلطان حسن وسماهم المؤرخون بـ«أولاد الناس»، وقد نجح «عبد الوهاب» في التوصل إلى اسم هذا المهندس عند قراءته لنص الطراز الجصى الذي تزدان به مدرسة الحنفية، الموجودة بجوار صحن المسجد.

سرقة المدرسة

ونظرا لضخامة بناء المدرسة فقد كان المماليك المتمردون على حكامهم بقلعة الجبل المواجهة للمدرسة، يتحصنون بمباني المدرسة وينصبون المدافع بأعالي المئذنتين لقصف القلعة بالقذائف وقد كتب لهم النصر أكثر من مرة على المتحصنين بالقلعة.





وإذا كانت طلقات المدافع لم تفلح في النيل من مدرسة السلطان حسن، فإن عوامل عدة قد تضافرت على سلبها بعض نفائسها، فقد سرق سجادها الفاخر في وقت غير معروف، واستولى السلطان المملوكي «المؤيد شيخ»، على باب المدخل الرئيسي المصفح بالنحاس، وبعض المشكاوات الزجاجية النفيسة، ونقلهم إلى مسجده بشارع المعز لدين الله.

وفى القرن التاسع استولى بعض التجار، على أبواب المدارس الداخلية المرصعة بالذهب والفضة، وقد آل أحد هذه الأبواب بعد تنقله في عدة بلاد إلى السفارة الفرنسية بمحافظة الجيزة، ليصبح الباب الذي يغلق على مدخل السفارة.







وصف المؤرخين

وقد أجزل المؤرخون في عطاء كلماتهم أثناء وصفهم لمسجد السلطان حسن، ومن هؤلاء الرحالة العياشي الذي قال عنه: «وهو مسجد لا ثاني له في مصر، ولا في غيرها من البلاد في فخامة البناء وارتفاعه وإحكامه واتساع إيواناته، وطول أعمدته الرخامية وسعة أبوابه كأنه جبال منحوتة تصفر فيها الرياح».











الجريدة الرسمية