رئيس التحرير
عصام كامل

قُبلة "الجحش" وصراخ الحمائم


لست ضد "قُبلة الجحش" على يد وزير التنمية المحلية، الذي جاوز السبعين من عمره، كونها لا تمثل خرقًا لعادات المصريين وتقاليدهم، إذا كانت قد حدثت في سياق معنى موضوعي، و"المعنى" في بطن "الجحش".


ولأن أسامة الجحش يدعي أنه "نقيبا" للفلاحين، وأكثر من نصف الفلاحين براء من ادعائه، فيما يقف النصف الأول في موقف الحائر، يظل الحدث من وجهة نظري: "الميّت كلب.. والجنازة حِرِقة"، إذ ليس لهذا الشخص قيمة موضوعية في باب العمل النقابي.

أكثر من عامين، وفي ظل الصراع البغيض بين طرفين يحمل أحدهما (محمد العقاري) أوراق انتخابه ممهورة بتوقيع قضاة مجلس الدولة، وثانيهما الذي يرفض نتيجة الانتخابات (أسامة الجحش)، يظل الفلاح عضوا في عُصبة مهترئة، تتهاوى يوميا تحت قدمي "الجحش" على منصات التصوير مع الكبار، الذين يعتبرونه "حاجة حلوة لزوم الصورة" لترضية 52 % من أبناء الشعب المصري ـ يوصفون في الدستور باسم "الفلاحين".

"هاصت" الدنيا و"لاصت"، واجتمع نفر ممن هم على شاكلة "الجحش" وربما أقل من الناحية القانونية، لمجرد حدث عفوي، متناسين أنهم أصابوا الفلاح بـ "ربكة" بصرية، حيث بات يفرك عينيه كلما وقعتا على "كتف" عريض بـ "جلبية بلدي تقيلة" على شاشة القنوات التليفزيونية، يتم تقديمه على أنه نقيب الفلاحين.

والحقيقة، أن من انشغلوا بقُبلة الجحش على يد اللواء عادل لبيب، لم يجتمعوا البتة، للخروج ببيان يستهجن بلاهة معظم إعلاميي هذا الزمن الفج، وهم يتحدثون بـ "نقصان عقل وعلم" عن قضايا الفلاحة والفلاحين.

القضايا المصيرية التي يجب أن تفتح ملفات تجويع الفلاحين، وكسر ظهورهم بالمرض والفقر، بعد ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، وضياع شقا العمر في غمضة عين، حين يُقال لهم: "اللي يزرع قطن ياكله، وحين يبيعون طن البطاطس بـ 300 جنيه، وطن البرتقال بـ 200 جنيه.

من اجتمعوا في مقر كيان "مطبوخ أيضا" للتنديد بقُبلة الجحش على ظهر يد اللواء عادل لبيب، ربما قصدوا التمويه على الفلاحين الذين انتظروا منهم التمثيل المشرّف في اللقاءات الرسمية، لحل مشكلة زارعة القصب، أو حل أزمة الأسمدة الآزوتية، أو بحث أسباب إغلاق الأسواق الخارجية في وجه معظم المحاصيل الزراعية.

هؤلاء لم يبحثوا في هيئة الإصلاح الزراعي عن أسباب تقاعس محاميها، في الدفاع عن فلاحين اغتصبت أراضيهم على أيدي رجال أعمال و"بلطجية"، ليهددوا مساكين حصل آباؤهم وأجدادهم على الأراضي بقانون الإصلاح الزراعي، في معظم محافظات مصر، وأقاموا عليها مجتمعات فلاحية وأسرية كاملة، منذ أكثر من 60 عامًا، ليواجهوا التشريد حاليًا.

ممثلو الفلاحين الذين مثلوا بجثة أسامة الجحش، لم يقفوا ضد تعطيل مصانع السماد عن العمل، بوقف ضخ الغاز عنها، لصالح حفنة من المستوردين، فأبدلوا بالخزي "صنما" يرجمون فيه خيبتهم، ويمثلون بقضايا الفلاحين على "قفاه".

في نظري، إن قبلة أسامة الجحش على يد اللواء عادل لبيب، بمعنييها العفويين، (العاطفة أو النفاق)، كانت فرصة اقتنصها طامع لتوثيق كذبته بأنه النقيب الشرعي لمن لا نقيب لهم، فاغتنمها رفاقه "الفضائيون" أيضا، للمزايدة العلنية باسم الفلاحين.

أما صراخ الحمائم المستأنسة، فلم يشغل بال أصحاب الجلابيب المنشأة، والأقفية "المربعة"، على الرغم من العواء والصراخ المستمر على شاشات الفضائيات، لتوثق التسطيح الفاضح لبلد زراعي، تسيد الإعلام والتعليم والعلوم والسياسة والعسكرية والصحافة عقودًا طويلة، في شرقه الأوسطي.

في رأيي، إن ما فعله "الجحش" في معنييه المجانين، أشرف آلاف المرات من أقوال رقيعة، وأفعال رخيصة، ورقصات ممجوجة، وتشنجات مصطنعة، تبيعها "خصيان الحمائم" لقاء ملايين آكلي خيرات البشر ـ رجال الأعمال، أصحاب الفضائيات، الذين نهشوا لحم مصر، ويتسلون حاليًا بعظامها.
barghoty@yahoo.com
الجريدة الرسمية