رئيس التحرير
عصام كامل

براءة «ابن تيمية» من تهمة القتل!!



أثار الباحث إسلام البحيري عدة قضايا، خلال اللقاء الذي جمعه مع الدكتور أسامة الأزهري، والشيخ الحبيب على الجفري، بصحبة الإعلامي خيرى رمضان.


فـ«إسلام»- أثناء انشغال الجميع بالرد عليه- ادعى على الإمام ابن تيمية- رحمه الله- بأنه أفتى بـ«قتل الجاهر بالنية»، كمن يقول بصوت مرتفع «نويتُ أصلي صلاة الظهر أربع ركعات»؛ مستدلًا على مزاعمه بما ورد في كتاب «الفتاوى»، لشيخ الإسلام- رحمه الله.

وبالرجوع إلى المصدر الذي استدل به «إسلام» على صدق ما يذهب إليه، تبين أن ابن تيمية، لم يُفتْ بـ«قتل الجاهر بالنية» على الإطلاق، والقضية لها أصل ثابت، جاءت في كتاب «الفتاوى»، حينما سأل أحد الأشخاص «ابن تيمية» عن حكم الشخص الذي يجهر بالنية في الصلاة، ثم أصر هذا الشخص على رأيه، ثم قول الرجل «الكل يعمل في دينه ما يشتهي»..

وعند الإجابة عن هذه التساؤلات، تعرض «ابن تيمية» لثلاث مسائل في هذه القضية، على النحو التالي، وهنا ننقل من كتاب «الفتاوى» الذي اجتزأ منه «إسلام»:-

أولًا: حينما سُئل- رحمه الله-عن حكم «الجاهر بالنية»، وهو لا يعلم الحكم الشرعي، قال ابن تيمية، بعد أن أورد أقوال العلماء في هذه المسألة: «والجهر بالنية لا يجب، ولا يستحب باتفاق المسلمين، بل الجاهر بالنية مبتدع مخالف للشريعة، إذا فعل ذلك؛ معتقدا أنه من الشرع فهو جاهل ضال يستحق التعزير، وإلا العقوبة على ذلك إذا أصر على ذلك، بعد تعريفه والبيان له، لا سيما إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته، أو كرر ذلك مرة بعد مرة..». (الفتاوى ج 22 ص 219 – 227).

ولاحظ هنا أن ابن تيمية نقل أقوال الفقهاء، ولم يُفْتِ بقتل الجاهر بالنية، كما زعم «إسلام بحيري»، بل إنه ربط «التعزير»، وليس «القتل» بـ«إذا آذى من إلى جانبه برفع صوته...».

ثانيًا: انتقل «ابن تيمية» إلى حكم الإصرار على هذه «البدعة»، فقال: «الجهر بالنية في الصلاة من البدع السيئة ليس من البدع الحسنة وهذا متفق عليه بين المسلمين لم يقل أحد منهم أن الجهر بالنية مستحب ولا هو بدعة حسنة فمن قال ذلك فقد خالف سنة رسول الله وإجماع الأئمة الأربعة وغيرهم وقائل هذا يستتاب فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه». (الفتاوى ج/ 22 ص 219 – 227).

وقول «ابن تيمية» يستتاب هو طلب التوبة من هذه البدعة ولم يقصد الكفر، بدليل قوله بعدها «فإن تاب وإلا عوقب بما يستحقه»، فلو كان قاصدا الكفر لقال «يستتاب، وإلا قتل». ومثلها قال: «ومن أصر على فعل شيء من البدع وتحسينها فإنه ينبغي أن يعزر، تعزيرا يردعه وأمثاله عن مثل ذلك». (الفتاوى ج22/ ص 235) وما بعدها.

فأين فتوى «قتل الجاهر بالنية» يا إسلام؟!

ثالثًا: انتقل «ابن تيمية» إلى الحكم «فيمن أصر على رأيه، بعد تعريفه الحكم الشرعي بالجهر بالنية، ثم افترى هذا الشخص على دين الله، ونسب له ما ليس منه»، وهنا مربط الفرس.

فقال «رحمه الله»: «ومن نسب إلى رسول الله الباطل خطأ فإنه يُعَرَّف فإن لم ينته، عُوقب، ولا يحل لأحد أن يتكلم في الدين بلا علم، ولا يعين من تكلم في الدين بلا علم، أو أدخل في الدين ما ليس منه، وأما قول القائل كل يعمل في دينه الذي يشتهى فهي كلمة عظيمة يجب أن يستتاب منها وإلا عوقب، بل الإصرار على مثل هذه الكلمة يوجب القتل فليس لأحد أن يعمل في الدين إلا ما شرعه الله ورسوله، دون ما يشتهيه ويهواه». (الفتاوى ج 22/ ص 235) وما بعدها.

فحكم «الاستتابة» أو «القتل» هنا لا علاقة له بـ«التلفظ بالنية»، بل هو «فيمن يُصر على أن يشرع لنفسه الدين كما يشاء..»، وهو ما أجمع عليه علماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين.

إن الباحث «المدقق»، والمفكر «المنصف»، سيجد فارقًا كبيرًا بين ما أورده «ابن تيمية» من أحكام في ثلاث مسائل.. بينما مَنْ يمنح نفسه لقب «الباحث»، وهو يجتزئ أقوال العلماء، ويتهمهم بالباطل، فلا نملك له إلا الدعاء بـ«الهداية»، وليس أي شيء آخر..
الجريدة الرسمية