رئيس التحرير
عصام كامل

الاصطياد في الماء العكر


دفع الكثير من المفكرين حياتهم ثمنًا لأفكارهم، فمنهم من حُرق حيًا ومنهم من ذُبح، ليس هذا في مصر أو العالم العربي فقط بل في كل بقاع العالم على مر العصور، وكانوا هم بداية التنوير لبلادهم.


ولكن الفرق بيننا وبين الغرب، أن الغرب قامت به ثورات فكرية جماعية عقبت الثورات التي قامت مطالبة بالحياة الكريمة، فتقدموا وازدهرت حضارتهم يومًا بعد يوم.

ولكن نحن في العالم العربي تموت الفكرة بقتل المفكر أو تكمن في قلوب وعقول المفكرين؛ خوفًا أو توافقًا مع الواقع المظلم المحيط بهم، وما استقر في عقول الشعوب من جهل؛ اعتقادًا منهم أنه من ثوابت الدين.

فتفرق المسلمون فرقًا وشعبًا كثيرة، وخرجت جامعات تقتل وتنهب وتذبح باسم الدين، وأخذت هذه الجماعات والقبائل أسماء فمنهم من سمى نفسه بأهل السنة، ومنهم من تشيع وأطلقوا على أنفسهم أهل الشيعة، ومنهم السلفيون ومنهم الإخوان المسلمون، وخرجت من عباءتهم جميعًا جماعات مسلحة مثل داعش وبيت المقدس، تحمل رايات يطلقون عليها رايات الإسلام، وكل منهم تبنى فكرته التي أصبحت عقيدة دينية، وتقاتلوا فيما بينهم فضعف العرب، وأظهروا الإسلام بأنه دين العنف والتخلف.

وكل هذا بالطبع لم يأتِ من فراغ بل هو مكتوب ومدون في كتب التراث، وهناك أحاديث في البخاري ومسلم يعترف بها أكبر كيان ديني في العالم وهو الأزهر، وهي تحض على القتل وسفك الدماء، وظهر مشايخ فضائيات تبث هذه السموم على العالم كله، ورغم مناظرة بعض مشايخ الأزهر وبعض المفكرين لهذا الفكر، إلا كما قلنا إن الفكر الإرهابي لم يأتِ من فراغ، فله مصدر مدون في كتب التراث، وبالتالي فهم يهاجمون مشايخ الأزهر بل مؤسسة الأزهر نفسها؛ لأنها في نظرهم تخفي ما هو من ثوابت الدين.

والمخيف أن اليوم زاد تفرق المسلمين والمفكرين، ففريق مع إسلام بحيري، وفريق يرفض التجديد الذي يراه أن يهدم الإسلام وهو مع الأزهر.

وطالب الرئيس بتجديد الخطاب الديني، فكيف يجدد الخطاب فمن مكلف بالتجديد ليس لديه مصدر يرجع إليه إلا هذه الكتب، وهي كتب التراث والبخاري ومسلم، نعم سيأخذ منها ما هو يتوافق مع الضوابط الأخلاقية للقرآن، ولكنه لن يستطيع أن يقول إن هناك أحاديث ليست من أقوال الرسول ومدسوسة، فلن يستطيع أن يتقول على كتاب البخاري ومسلم وابن تيمية وغيرها من كتب التراث.

فسيظل ما استقر في نفوس الناس كما هو وهذا ليس بتجديد ولا تنوير، وحتى طريقة الخطاب في المساجد لن تتغير ولن تتوقف الجهر بالصلاة عبر الميكروفونات، ولن تتوقف الأصوات النكراء في الأذان.

وسيزداد تعصب بعض الناس لكتب التراث؛ لأن هناك من يصطاد في الماء العكر، ويصدر للناس أن إسلام بحيري وغيره مما يحذو حذوه، يهدمون ثوابت الدين الإسلامي، وقد ظهر على بعض القنوات المسيحية من يعيب على إسلام بحيري أنه ما زال متمسكا ومؤمنا بالقرآن، ويطالبونه بأنه بعد هدم كتب التراث يتفرغ للقرآن.

ويتزامن هذا في وجود مؤسسات قبطية تحاول أن تخلق فتنة بين الأقباط وبين الجيش والشرطة، بخلق مواضيع ليس لها أساس من الصحة فالكل يحاول أن يصطاد في الماء العكر.

ولكن هل في النهاية سيسفر هذا عن تنوير للعقول أم سيزيد العقول ظلامًا ويزيدنا فرقة وتناحر؟

ولكن كلمة حق فلابد أن نعطي كل الأئمة حقهم في مجهودهم الجبار في جمع وكتابة كتبهم هذه، ولكن مع الإشارة لما هو مدسوس وغير متسق مع الضوابط الأخلاقية للقرآن، وربما تكون هذه نقطة اتفاق بين الطرفين.

مازالت الأمور غير واضحة.. فلك الله يا مصر، حماك الله ورعاك.
الجريدة الرسمية