رئيس التحرير
عصام كامل

الحجابُ ليسَ فريضة إسلامية


تلقينا على موقعنا عبر الإنترنت سؤالًا من السيدة نوال وهى مغربية تعيش في فرنسا تقول فيه إنها مهددة بالفصل من عملها بسب إصرارها على ارتدائها الحجاب، حيث يعتبرون الحجاب رمزًا سياسيًا وتمييزيًا.. فهل خلعها الحجاب حتى لا تفقد عملها يجعلها من أهل النار ؟


وللإجابة عن هذا السؤال:
بداية نصلى ونسلم على كليم الله موسى عليه السلام، وكل المحبة والسلام لكلمة الله المسيح له المجد في الأعالى، كما نصلى ونسلم على النبى الكريم محمد ابن عبد الله.. أما بعد...
فبخصوص ما يسمى "الحجاب الإسلامى"، والذي صحته غطاء الرأس الذي لم يُذكر لفظه في القرآن الكريم على الإطلاق، وأصرت مجموعة من المشايخ والفقهاء على فرضيته، وجعله من أهم أركان الإسلام، مختزلين مقاصد الشريعة الإسلامية وصحيح التفسير ثُمَّ جَاءُوا بشريعة غير الشريعة، رافضين إعمال العقل، مهتمين فقط بالنقل القائم على غير العقل، ثُمَّ جَاءُوا بالنصوص في غير موضعها وفسروها على أهوائهم، متبعين في ذلك بعض مشايخنا القدامى، وكأن ما قالوا به مقدس، لا اجتهاد بعده، مبتعدين عن المنهج الصحيح في الاستدلال والتفسير الذي يُفسر الآيات وفقا لظروفها التاريخية، وتبعا لأسباب نزولها، فنجدهم يفسرون الآيات على عموم ألفاظها متغافلين أسباب نزولها ومقاصد الشارع الإلهى، إما لأنهم يرغبون عن قصد أن يكون التفسير هكذا، أو لحسن نيتهم لأن قدراتهم التحليلية تتوقف إمكانات فهمها عند هذا الحد، لعوار عقلى أو آفة نفسية.

ولأن مسألة الحجاب باتت تفرض نفسها على العقل الإسلامى وغير الإسلامى، وأصبحت مقياسًا وتحديدًا لمعنى ومقصد وطبيعة الإسلام، في نظر غير المسلمين، مما حدا ببعض الدول غير الإسلامية، إلى القول إن الحجاب الإسلامى هو شعار سياسي، يؤدى إلى التفرقة بين المواطنين، والتمييز بينهم، مما أدى إلى حدوث مصادمات وفصل من الوظائف بسبب تمسك المسلمة بما يسمى الحجاب، لذا تصدينا لهذا الموضوع المهم بالبحث والتنقيب والاستدلال لنعرف ما هي حقيقة الحجاب وما المقصود به، وما الأدلة الدينية التي استند إليها ما يدعون أنه فريضة إسلامية. 

لذلك يجب أن نناقش أدلتهم بالعقل والمنطق والحجة، حتى لا نُحمل الإسلام بما لم يأت به، فقد جاءت أدلة من يدعون بفرضية الحجاب متخبطة غير مرتبطة، فجاءت مرة بمعنى الحجاب، ومرة بمعنى الخمار، ومرة بمعنى الجلابيب، وهو ما يوضح ابتعادهم عن المعنى الصحيح الذي يقصدونه، وهو غطاء الرأس، وهو ما يعنى أنهم يريدون إنزال الحكم بأى شكل لهوى وضعف نفسى عندهم، وابتداءً نعرف الحجاب فهو في اللغة:

«بمعنى الساتر أو الحائط أو الحاجز وحجب الشىء أي ستره، والآيات القرآنية التي وردت في القرآن الكريم عن الحجاب 4 آيات وهى قوله تعالى في سورة الإسراء آية 45 (وإذا قراتَ القرءانَ جَعلناَ بينكَ وبينَ الذينَ لا يؤمنونَ بالآخرةِ حِجابًا مَستورًا )، وسورة فصلت آية 5 (وقالوا قُلوبنا في أكنةٍ مما تَدعونا إليهِ وفي آذَانِناَ وقر ومِن بيننا وبينكَ حجابً فاعمل إننا عاملونَ) وفى سورة الشورى آية 51 (وما كانَ لبشرٍ أن يُكلمهُ اللهُ إلا وحيًا أو مِن وراءِ حجابٍ أو يرسلَ رسولًا فَيوحِيَ بإذنهِ ما يَشَاءُ إنهُ عليٌ حَكيمً ).

وهذه الآيات الثلاث توضح أن الحجاب هو ساتر أو حائط أو حاجز للرؤية الكلية دون لبس أو تورية، ولا صلة لها بغطاء الرأس أو الشعر مطلقًا.

والآية الرابعة تتعلق بزوجات النبى وحدهن، وتعنى وضع ساتر أو سور أو حاجز بينهن وبين الرجال من الصحابة، ولا خلاف بين كل الفقهاء والمشايخ في ذلك المعنى مطلقا، وهى الآية رقم 53 في سورة الأحزاب تقول «ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتَ النبى إلا أن يؤذنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرينَ إناهُ ولكن إذا دعُيتُم فادخلوا فإذا طَعِمتم فانتشروا ولا مستأنسينَ لحديثٍ إنَ ذَلكُم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لا يستحى من الحقِ وإذا سألتموهنَ متاعًا فسئلوهن من وراء حجابٍ ذلكم أطهرُ لقلوبكم وقلوبهنَ وما كان لكم أن تؤذوا رسول اللهِ ولا أن تنكحوا أزواجهُ من بعدهِ أبدًا إن ذلكُم كانَ عندَ اللهِ عظيمًا».

وهذه الآية تتضمن هنا ثلاثة أحكام:
الحكم الأول:عن تصرف الصحابة عندما يُدعون إلى الطعام عند النبى ( صلى الله عليه وسلم ) والثانى: عن وضع حجاب أو ساتر أو حاجز بين زوجات النبى والصحابة، والثالث: عن عدم زواج المسلمين بزوجات النبى بعد وفاته.

وبذلك نفهم من لفظ الحجاب الذي ورد أن القصد منه كان وضع ساتر بين زوجات النبى( صلى الله عليه وسلم ) وبين الرجال من الصحابة، ويفهم أيضًا أن وضع الحجاب أو الساتر خاص بزوجات النبى وحدهن فلا يمتد إلى ما ملكت يمينه «من الجوارى» ولا إلى بناته ولا إلى باقى المسلمات، وإلا كانت الآية نصت على ذلك وعممت على كل المؤمنات المسلمات.

ثم نأتى لاستدلال البعض بآية الخمار على فرضية الحجاب أي «غطاء الرأس» التي وردت بالآية 31 من سورة النور والتي تقول: «وقل للمؤمناتِ يَغضُضنَ من أبصَارهنَ ويحفظنَ فروجهنَ ولا يبدينَ زينتهُنَ إلا ما ظهر منها وَليضرِبنَ بِخُمُرِهنَ على جُيُوبِهنَ». 

وسبب نزول هذه الآية أن النساء في زمن النبى صلى الله عليه وسلم وما قبله كُنَ يَرتَدِينَ الأخمرة ويسدلنها من وراء الظهر، فيبقى النحر، أي أعلى الصدر والعنق وجزء من النهدين لا ساتر لهما، وفى رأى آخر أن الخمار عبارة عن عباية، وقد طلبت الآية من المؤمنات إسدال الخمار على الجيوب ( أي فتحة الصدر)، وعلة الحكم في هذه الآية هي تعديل عرف كان قائمًا وقت نزولها، ولأن ظهورهن بصدر بارز عارٍ هو صورة يرفضها الإسلام، ومن ثم قصدت الآية تغطية الصدر دون أن تقصد وضع زى بعينه أو تنص على فرضية الحجاب أو غطاء الرأس والشعر فلم يكن واردًا وقتها، وكان الهدف والعلة من ذلك هو التمييز بين المسلمات وغير المسلمات اللاتى كن يكشفن عن صدورهن.

خامسًا: استدلال البعض بفرضية الحجاب بآية الجلابيب من سورة الأحزاب رقم 59 والتي تقول: «يا أيُها النبىُ قُل لأزواجِكَ وبنَاتِكَ ونساءِ المؤمنينَ يُدنينَ عَليهنَ من جَلابيبهنَ ذلكَ أدنى أن يُعرفنَ فلا يُؤذينَ».. وسبب نزول هذه الآية أن عادة النساء وقت النزول كُنَ يكشفن وجوههن مثل الإماء «الجوارى» عند التبرز والتبول في الخلاء لأنه لم تكن عندهن دورات مياه في البيوت، وقد كان بعض الفجار -من الرجال- يتلصص النظر على النساء أثناء قضاء حاجتهن، وقد وصل الأمر إلى الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بعد قول عمر بن الخطاب لسودة زوجة النبى لقد عرفناكِ بعد تبرزها وهو الحديث الذي ورد في صحيح البخارى في باب خروج النساء للتبرز، حيث قال حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أإنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم - كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - احْجُبْ نِسَاءَكَ.. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ – يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِىِّ - لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ)- فنزلت في اليوم التالى الآية 59 من سورة الأحزاب لتصنع فارقًا وتمييزًا بين الحرائر والإماء «الجوارى» من المؤمنات حتى لا تتأذى الحرة العفيفة، وكان عمر بن الخطاب إذا رأى أمة «جارية» قد تقنعت أي تغطت أو دانت جلبابها عليها، ضربها بالدرة محافظًا على زى الحرائر «ورد هذا عن ابن تيمية – في كتاب حجاب المرأة ولباسها في الصلاة – وهو من تحقيق محمد ناصر الدين الألبانى - المكتب الإسلامى - ص 37».

سادسا: استنادهم إلى حديث منسوب للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) عن أبى داود عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى فيها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه».

والرد على من يستدل بهذا الحديث على فرضية الحجاب «غطاء الرأس» نقول إن هذا الحديث من أحاديث الآحاد أي ليس من الأحاديث المتواترة الصحيحة السند غير المنقطعة المجمع عليها، ولكنه حديث آحاد مقطوع السند، فلا يكون إلا للاسترشاد والاستئناس، لكنه لا ينشئ ولا يلغى حكمًا شرعيًا فكيف نجعله سندًا لفرض إسلامى، والفرض الإسلامى هو أعلى درجات الإلزام الشرعية ويأتى بعده الواجب والمندوب والمستحب.. إلى آخره. 

والفرض لا يبنى على الظن أو التفسير الضمنى أو استخلاص المعنى بجهد بشرى متأرجح ولكن يُبنى الفرض على الأدلة القطعية الثبوت الواضحة الدلالة.. لذا نرى ونفتى بكل ثقة واطمئنان كامل بأن الحجاب ليس فريضة إسلامية، والقائل بفرضيته يحتاج إلى المراجعة والمناظرة وحتى لا يسىء للإسلام دون قصد، سامحهم الله.

هذا وعلى الله قصد السبيل وابتغاء رضاه.
E - rashed_orbit@yahoo.com
http:||www.ahewar.org|m.asp?i=3699
الجريدة الرسمية