رئيس التحرير
عصام كامل

انتبهوا.. نقيب الصحفيين يرجع إلى الخلف


بعد عبارته الصادمة الشهيرة منذ أسبوعين على هامش مؤتمر مستقبل الصحافة القومية في مصر، "انسوا النقابة يا إلكترونيين".. أدهشتني أطروحة جديدة لنقيب الصحفيين في حوار تليفزيوني منذ أيام عن عدم ممانعته في إنشاء نقابة مستقلة للصحفيين الإلكترونيين.


لقد اشتدت حيرتي ولا أجد تفسيرا لكراهية الزميل ضياء رشوان للصحافة الإلكترونية، بحيث يرفض ضم صحفييها إلى النقابة، ويصر على أن يكون لهم نقابة أخرى، وهكذا "عشنا وحنشوف" الصحفيين ينقسموا إلى فريقين، واحد "مانيوال" تقليدي متخلف ورقي قديم، وآخر "ديجيتال" متطور تقني حديث، بحيث عندما تذهب إلى مصدر في المستقبل القريب وتقدم نفسك بصفتك صحفيا فيسألك "حضرتك إلكتروني ولا ورقي؟"، بل ربما يسألك حضرتك "ديجيتال ولا مانيوال؟".

هذا الموقف من نقيب الصحفيين يعني أنه يتمسك بالتخلف ويقف ضد عجلة الزمن، فالصحفي الذي يعمل في الصحافة الإلكترونية لا يعترف به ضياء رشوان، يمتلك كل مفاتيح الصحافة وتعلم كل الأدوات المهنية الحديثة، بل هو أكثر عرضة للخطر بحكم تواجده الميداني في الشارع، ويستطيع إرسال فيديوهات إلى موقعه بعد لحظات من وقوعها، وقادر على تغطية وقائع المؤتمرات الصحفية والأحداث لحظة بلحظة، بينما غيره "أبو ورقة وقلم" يستقل أتوبيسا أو سيارة ثم يذهب إلى صحيفته ليقوم بتفريغ تسجيلات المؤتمر وإرساله بعد حدوثه بساعات، فلا يجوز أن نعاقب المجتهد بمنعه وحرمانه من دخول النقابة على حساب المتجمد.

لا يدرك الزميل ضياء ولا يستوعب أن أرقام توزيع الصحافة الورقية هبطت منذ سنوات إلى أدنى مستوى، وأن الأرقام المليونية منذ عشر سنوات قد اندثرت، وأصبح توزيع "أتخن" صحيفة لا يتجاوز عشرات الآلاف، لا يدرك أيضا أننا أصبحنا نعيش زمن الفضائيات والمواقع الإلكترونية التي تعرض الأحداث لحظة بلحظة على مدى اليوم، بحيث أصبحت الصحافة الورقية "موضة قديمة"، وتراجَعَ قراؤها باستثناء بعض كبار السن الذين لا يجيدون التعامل مع الكمبيوتر وأجهزة المحمول الذكية.

يبدو أن نقيب الصحفيين لا يعلم أن صحفا عالمية مثل "كريستيان ساينس مونيتور" و"فرانس سوار" ومجلات مثل "نيوزيوك" و"يو إس نيوز أند ريبورت" و"الموسوعة البريطانية"، ألغت نسختها الورقية منذ سنوات واكتفت بالرقمية، ولا يستوعب حقيقة أن عدد قراء الصحف الورقية في العالم حاليًا 1.7 مليار شخص، في مقابل 2.5 مليار من البشر يتعاملون مع الصحافة الإلكترونية.

يحدث هذا في الوقت الذي ما زالت نقابتنا لا تعترف إلا بالصحفي الورقي، وتطلب منه عند القيد في جدولها أن يحضر أرشيفه الورقي في ملف، بينما إنتاج الزميل في المواقع الإلكترونية للأسف غير معترف به.

كما يحدث هذا في الوقت الذي تضم نقابتنا أشخاصا ليس لهم علاقة بالمهنة الآن، وسكرتيرات رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير سابقين، وأشخاصا لم يمسكوا قلما، وآخرون يمتهنون عملا آخر غير الصحافة.

على لجنة التشريعات الصحفية التي تضم 24 عضوًا من النقابة والأعلى للصحافة، أن تضع تشريعا يعترف بالمؤسسات الصحفية الإلكترونية ويمنحها المشروعية طالما استوفت شروط التأسيس والتزمت بالاستحقاقات المالية كاملة على غرار المؤسسات الورقية، وعليها أن تلزم النقابة بقبول صحفييها طالما استوفوا شروط التعيين، انطلاقا من أن الصحافة الإلكترونية أصبحت واقعا لا مفر منه، وأن الصحفيين الإلكترونيين، ليسوا "ولاد الجارية" وليسوا سباكين أو حلاقين أو لامؤاخذة "جزمجية"، وإنما يمارسون مهنة الصحافة، وأن مصير الصحف الورقية سيصبح مثل مصير الحمير والبغال والخيول في زمن ظهور السيارة.

لقد ساندنا ضياء رشوان في موقفه الرافض لإنشاء غرفة صناعة للصحف الخاصة في نوفمبر الماضي، وأيدناه عندما قال بالحرف ''لا يمكن أن نكون كتلتين؛ لأن الدستور يقول إن هناك نقابة صحفيين واحدة"، وأقول له بنفس المنطق "عليك أن تتراجع عن كلامك الغريب، وألا تؤسس لتفتيت الجسد الصحفي في كيانات متناثرة لغرض في نفسك".
الجريدة الرسمية