راهب تمرد
عاش بين حنايا معبده منعما بالصفاء، وربوع النقاء، يبتهل ويصلي لرب الكون ... لا يرى إلا الحسن .. يتعلق قلبه بقوة خفية يرى بها شغاف الأحلام.
يحيا على بساط من الهدوء، والأرض فى أنقى صورها تعانق مع البحر السماء .. عشق منزه عن الغواية وظلام الشهوات .. معبد يتزين بأكاليل من ورود .. يؤنسه بوح الطيور فوق الأشجار .. إنها جنة وفردوس نمت فى خلسة من صخب الحياة .. انتزع ثياب البشر مرتديا نور الملاك.
السماء تتزين له كل ليلة بثوب مرصع بالنجوم .. والقمر يتوسطها بأشعته السحرية فى جلال الملوك، أيام كأحلام جميلة، وتمر الليلات كأنها احتفالات عرس...لا وحشة، لا خوف من فقد، فقط سكون يملأ النفس.
البحر بهدوئه وسحره وجمال العواطف العلوية والحياة فى ربيعها وذروة شبابها وتألقها تغازل راهب المعبد، تهبه الحياة جاثية مروضة عند قدميه، كامرأة حسناء خجول .. كقطرة ندى بين جفنى الصباح تتساقط على راحتين ينبت بهما حدائق الياسمين .
ليس عليه سوى التنعم بها، والتناغم معها، وكأنها لوحة رسمت بإبداع فنان عاشق هو جزء منها، يرتدى ثوب الطهر، ويحيا كطائر يغدو ويروح مغردا على شواطىء السعادة، ويجالس تلك الحسناء العذراء، التى هى له وحده .
لم يقربها غيره .. ولم يمتلك مفاتيح مدنها إلا هو .. ذات بريق ومغازلة من سيف الفتنة...داعب الفكر هدوءه ..وسرق النوم من جيوب مقلتيه .. ولوحت له بجمالها تلك الماكرة من شرفات الشهوة .. تلك الحياة فى صورة امرأة جميلة أسرته فى سجون أجفانها وأودعته خلف قضبان أهدابها .. على شواطىء جسدها الثائر .. ولاحقته فى كل خلواته وغزلت من جمالها شباكا حريرية ناعمة الملمس التفت حول خاصرته وقلبه دون أن يشعر .. حتى أسرته على صهوة فتنتها .. وفرت به حيث لا يعلم تمرد الراهب على خبز سعادته جذبه وهج ذاك السيف وبريقه الأخاذ الذى يسلب الألباب ويطيح بكل فضيلة ..
هذا السيف هو الحياة وزينتها ..غوايتها وفتنتها .. أراد أن يخرج من حياة الخلود ..إلى ذاك العالم الذى لن يحمل له إلا الضياع والشرود ..تمرد على زواج عذرى بينه و بين نقاء الكون .. حنث فى وعود وعدها لضوء القمر ذات ليلة جمعهما السهر.. تنصل من عهود بينه وبين حصباء الأرض وماء الخلجان الصافى كعينيه.
تعالت صرخات نفسه .. وتدانت روحه وسقطت من ملكوت السماء .. إلى طين الأرض .. أراد الطين .. أراد شقاء الحنين .. وأن يسطر ذكرى على ثرى السنين .. وأن يشعر الألم .. ويلعق مرارة الأنين .. أراد الخوف والألم .. ورغب فى التخلى عن برائته التى نمت مع أشجار وأزهار الجنة...خرج للحياة ليتذوق ثمار الفتنة ..وينزع عنه رداء النقاء .
انصرف إلى ما وراء البحر، بحثا عن خبايا الدهر، أراد إخماد ثورات أمانيه المتأججة بنيران شهواته .. لكنها خبت وانطفأت .. وثارت ثورات أخرى فى نفسه هى ثورات الحزن تجتاح طرقات روحه .. ودروب حياته .. اغتالت كل طيور السعادة .. وسحقت كل نبت أخضر للمحبة والسكون . توارت أفراحه .. وتناءت عن جبينه ابتساماته .. وكللته بغصن شوك .. وبعد رحلاته باحثا عن ما يقتات به جسده ويفقد به روحه .. التى كانت يوما نغمة عذبة بين شفتى الحياة .. صارت لحنا حزينا.
وعاد يوما إلى خزائن الأيام نادما .. جاثيا، يبحث عن بقايا فتات خبز السعادة الذى تمرد عليه يوما ... عن كسرة خبز ..عن نقطة ماء ..يرفع القارورة الى أعلى وينزلها لا شىء عالق بها ..فقد جف الماء ونضب الغدير ...حتى قنديل هناك فى ركن من أركان الغرفة زيته من دفىء. كان يضيء زوايا روحه ....أضاء لياليه فى لحظات السكينة ...لم يبق منه إلا ضوء الوحشة الشاحب ..لا يكاد يرى يديه من خلال ضوئه.
المعبد أصبح مهجورا كقبر ...لا شىء سوى بعض خفافيش الظلام تحاول غزو أسواره، لا شىء سوى أشجار تخترق جذورها الأرض صامتة لا تبوح بأسرار المكان ... كل ورقة من وريقات الأغصان غاضبة منه لهجره، لشروده وتمرده ...كل شىء يناشده فى صمت الموتى ..أن ارحل لم يعد لك مكان .
ارحل أيها العابر على أجساد الموتى، أيها القادم من ذاكرة الاغتراب على متن أشباح الوحشة .. أمواجك تبعثر هدوء الشطآن تنتزع منها دفء الإيمان..
أيها العابر ... بحار الحياة تمتطى خيول الأوهام ..تبحث عن كنزك المفقود ..تبحث عن ظل ...عن روح غادرتك فى عتمة غرور ....على صهوة أحلام قد وئدت ...ارحل ...لملم خيباتك ...سقطاتك ..اجمعها فى صناديق الذكرى ...ارحل ....لملم بقاياك. التى فقدتها وعودا ... ورفات كلمات كتبت بريشة الكذب على رمال القلوب المتقلبة ...ارحل ....محملا بأمنيات لك، قد غارت ..بآثار أقدام ..مبللة بدموع الندم سقطت ذات ليلة ظلماء كمطر أسود أحرق أخضر الأرض قبل يابسها ....
فجر شبابك قد غادر ..وأعقبه ليل المشيب المظلم بما حملته من غيوم ممتلئة بأوجاع الحسرة والندم على ما أضعت من نقائك ..وأبدلته بشقاء ..ستهفو نفسك وتتألم كألم الرضيع لفقدان أمه ..ستظل سجينا خلف قضبان خساراتك ...ستعيش جسدا حيا بلا روح فوق التراب ...فما ضاع منك قد ضاع ...ولن يعود
