رئيس التحرير
عصام كامل

والإسلام ليس "سلفًا صالحًا"!


تاريخيا كل محاولات التيار السلفى للانخراط في المجتمعات الحديثة باءت بالفشل. خطاب "السلفيين" مثلا، واحد «جامد» بينما خطابات مجتمعات العلم والاجتهاد «واسعة»، «حرة» لا الدين فيها حكر على أحد ولا الإسلام قائم فيها بأحد ولا قائم لأحد.


فالإسلام على عكس ما يرى أهل السلف ليس دينا سلفيا، فلم تنص شريعته على أن «السلف الصالح» رضوان الله عليهم كانوا هم الإسلام، ولا أن أقوالهم وأعمالهم، رضى الله عنهم جميعا كانت عماد الدين. هذا رغم أن بعض الذين ولدوا بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام على وفاة الصحابة لايزالون مصرين على ذلك.

غضب الله على السلفيين، لأنهم أحدثوا في العقيدة مثلما أحدث الهراطقة والوضاعون، فإذا كان هؤلاء قد خاضوا في الإسلام تجريحا وذما، فإن السلفية على الجانب الآخر جمدوه واحتفظوا به في ثلاجات التاريخ لتفسد المواد الحافظة إسلامهم، مع أن الله سبحانه لم يشرع الدين إلا لصلاح المجتمعات، وصلاح المجتمعات لا توجد أدواته في «ثلاجات» التاريخ!

ربما لا يعلمون، لكن المنهج السلفي دعوة للعودة بالدين إلى الوراء، فتقليد السلف الصالح، والمحاولات المستميتة لمحاكاة زمانهم بزماننا رغم تغير الظروف واختلاف البلاد وتلون العباد، كانت فاحشة تاريخية ومقتا اجتماعيا وساء سبيلا.

«أهل السلف» ليسوا أهل الله، حتى لو قالوا ذلك. فهم «مقلدون» تراثيون مع أن الدين تقدمى عفا الله فيه عما سلف، أي ما مضى قبل نزول الرسالة، وجاءت شريعته واضعة المستقبل أمام أعينها.. للذين يتفكرون.. والسلفية لا يفعلون.

في الاصطلاح تعنى «السلفية»: الاعتقاد بضرورة العودة إلى نهج الصحابة والتابعين وتابعى التابعين في أصول الدين والمعاملات، أو في تعريف آخر: إنزال حكم السلف، أو المسلمين الأوائل على الواقع بصرف النظر عما تقضيه المصلحة، وبغض النظر عن المقارنة بين ظروف زمان الأوائل وبين ظروف زماننا.

والأجيال من جيل الصحابة حتى تابعى التابعين هم المقصودون بالسلف، أما ما جاء بعدهم من أجيال فهم الخلف وفى اللغة أن الخلف تال على السلف وأن السلف هو ما قبل أو ما مضى.

مكمن الأزمة ومحل الخطورة في إصرار التيارات السلفية على الاعتقاد بتوقف الاجتهاد في فهم الدين وتأويل نصوصه ومعرفة علل آياته،وأسبابها على ما مضى وعند من مضى.

هم يرون أيضا أن اجتهادات الأوائل في التفسير وفى المعاملات كانت هي الدين مع أن هذا ليس صحيحا ولا معقولا. فالشريعة سماها الله بـ«الدين القيم»، بما تضمنه من القدرة على التطور والتجديد ومرونة لاستيعاب كل ما يطرأ على أمور الدنيا من تغيرات مجتمعية ومشاكل ومعضلات حياتية.

يمكن أن نقول بالفم المليان أن الإسلام ليس هو السلف ولا السلف الصالح رضوان الله عليهم، كانوا هم الإسلام.لأنهم لو كانوا، فالمعنى انتهاء الرسالة المحمدية بوفاة الشخص الأخير من جيل تابعى التابعين، ما يعنى أن كل ما ظهر فيما بعد من علوم أصول فقه وعقيدة وفلسفة إسلامية كان عليها لو صح، أن تشتغل على فهم ما فهمه أجيال السلف الصالح من الدين، لا أن تشتغل على كيفية فهم الدين نفسه.

السلف كانوا بشرا وما سنه البشر القدماء يمكن أن يكون تراثا، لكنه لا يمكن أن يكون مقدسا. فالمقدس هو الذي يأتى من عند الله، بينما التراث هو الذي تركه الأقدمون، سواء كتبوه من تلقاء أنفسهم أو ما تركوه من محاولات تفسيرهم لمقاصد الله من كلامه. 

يمكن القول أن سلوك الخليفة أبو بكر (رض) مثلا في واقعة ما وتفسيره لحكم قرآنى ما، انعكاس لتدين أبي بكر (رض) أو مرآة لفهمه الشخصى للدين، لكن لا يمكن اعتبار أن سلوكه (رض)، واجتهاداته هو الدين.
الجريدة الرسمية