رئيس التحرير
عصام كامل

طغاة.. وأحباب الله ؟!


بعد أعوام من وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) كثرت المصائب؛ والفتن، وزادت الكوارث.. وطغت الرغبة في الحكم، زيادة في الشرف.. وقتها ظهر مصطلح "أهل الله"، و"أحباب ربنا".


في مصر استسلم البسطاء لـ"المبروكين" من المشايخ، وسمى أبناء الأحياء الشعبية "المعاتيه" بالمبروكين أيضا.. قالوا إن "الله"جذبهم إليه، ففتح عليهم، وعلمهم الغيب بقدرته.. وانتشرت قصص عن "المجاذيب" الذين رفع عنهم الغطاء، وانكشف عنهم "الحجاب"، "سموهم أيضًا "الواصلين"، واستغل أهلهم، تلك الأوصاف في التربح من فك "الربط" وإزالة الحسد، ومعرفة الطالع.

لم يعرف التاريخ الإسلامي في بداياته، عن أوصاف "أهل الله" أو "أحباب الله" شيئًا، لكن "التجارة بالله" أوجدت تلك المفاهيم، وتوغلت أفكار لدى العامة، عن فضل لابس الجلابيب القصيرة على "الأفندية" أصحاب البنطلونات، والديمقراطية، ثم أصبحت آفة حارة الإسلام "الأفندية"، والديمقراطية.. والجبنة "النستو".

وعلى فضائيات "الصلاة على النبى"، ظهر من يرمى المحصنات باسم الدين.. وعليها أيضًا ظهر من يفسر الأحلام، والمنامات بالقرآن الكريم، فيشفى الكبد، والتبول اللاإرادى بسنة رسول الله.. مثلها مثل تجارة الرصيف، حيث يقبل المشترون على "الصينى"، ضيق ذات يد.. واحتياج.

ومثل التجارة في الفضائيات، تاجر أجدادهم في السياسة أيضًا، إلى الحد الذي طرحوا فيه "السنة النبوية" في المزاد، في العصر الأموى، احتج خلفاء بنى أمية، في حكمهم للمسلمين بحديث "الأئمة من قريش".. كانت أزمة، لأنه لو كان الحديث صحيحًا، فقد قصر خلافة المسلمين، على أقارب النبى فقط، ومنعها عن غيرهم، كان حديثا غريبا، استطاع الأمويون به إسكات من عارضهم بالسيف مرة، وبالسم في العسل مرة أخرى.

لم يتحدث بـ"الأئمة من قريش" أحد من الصحابة.. فلا رواه قبل الأمويين أحد، ولا شهر عن ثقة في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم).. ويحكى المسعودى، في مروج الذهب، أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) لما اقترب من الموت قال: "والله لو أن سالم مولى أبى حذيفة حيا لاستخلفته"، وكان سالم عبدا من أصول فارسية، اشتراه أبو حذيفة اليمانى، ثم أعتقه ودخل في الإسلام.. لو كان "حديث الأئمة من قريش" صحيحًا، لما قال عمران ولاية سالم تجوز، ولو الحديث صحيح، لما شهر عن النبى (صلى الله عليه وسلم) قوله: خذوا القرآن عن أربعة.. منهم سالم.

ولكن الأمويون تمسكوا بحديث "الأئمة" رغبة في التفوق على غير العرب، ثم كان الحديث نفسه سببًا رئيسيًا في انتصار العباسيين على الأمويين، فهم أولاد العباس بن عبد المطلب، عم النبى، بينما الأمويون "ذوو قربى"، أحفاد أمية بن عبد شمس، جد النبى الأكبر.

ولما حارب الفاطميون العباسيين، احتجوا بقرابتهم للسيدة فاطمة (رضي الله عنها)، فأضافوا إلى حقهم في الولاية، مقارنة بالعباسيين، زواج فاطمة من علي (رضي الله عنه)، فكانت حقوقهم في الحكم مزدوجة، مرة من ناحية ابنته (صلى الله عليه وسلم)، ومرة من ناحية، ابن عمه!! وقتها صارت ولاية المسلمين "سياسية"، بعدما كانت "دينية" بعصور الإسلام الأولى.

تحول "خليفة المسلمين" أو حاكمهم إلى إمبراطور، مثل أباطرة فارس، أو قيصر، كقياصرة الروم، اضطر الولاة للعب بالدين، فأرجعوا خلافتهم إلى "أمر دينى"، لا إلى أمور الدنيا، فلولا الدين، لفقدوا الحكومة.. والعزوة، والفضل على باقى المسلمين، ربما لذلك، تداولت الخلافات الإسلامية مصطلح "الحاكمية لله".

ثم جاءت الجماعات الإسلامية والجهادية، والإخوان، ورددوا المصطلحات نفسها، خدمة لأغراضهم في كرسى السلطة، ومنع الآخرين منه، مثل الحاضر مثل الماضى، و"أحمد زى سيد أحمد".

ففى تاريخ الأمم للطبرى، وفى المروج للمسعودى، وقف الخليفة معاوية بن أبى سفيان على المنبر وقال: "إنما الأرض أرض الله.. وأنا خليفة الله. فما أخذته فلى، وما تركته للناس، فبفضل منى "!

أما الخليفة العباسى، أبو جعفر المنصور فخطب على المنبر قائلا: "إنما نحكمكم بحق الله الذي أولانا، وسلطانه الذي أعطانا".. ووصف نفسه قال: "أنا خليفة الله في أرضه، حارسه على دينه وماله" !
الجريدة الرسمية