رئيس التحرير
عصام كامل

كذب "الإخوان" ولو صدقوا


كنت قد كتبت مقالاً على هذه البوابة، بعنوان (مليون شجرة لـ "الإخوان" .. نعمة أم نقمة؟)، وظننت أن حزب الحرية والعدالة من المرشد حتى أصغر "مسترشد" قرأوا المقال، واقتنعوا بعدم زراعة مليون شجرة فى الذكرى الثانية لثورة 25 يناير.



أصابنى الغرور للحظة، لإحساسى بأنهم استجابوا لنصيحتى بأن يسارعوا إلى مغفرة من ربهم، ويرحموا الغابات والحدائق الشجرية التى زرعت فى مصر، وتركت كخرائب، منذ أكثر من عشرة أعوام.

مر يوم 25 يناير 2013 بحلوه ومره، وحصاده الموجع، بشهداء جدد فى عدة مواقع، وكالعادة، ظل القاتل مجهولاً، ومندسًا، ومأجورًا، و"فلفولا"، ولم تظهر شجرة واحدة جديدة فى أرجاء شوارع القاهرة الكبرى، ولا حواريها، فانتفخ صدرى إعجابًا بنفسى.
لم يتصل بى أحد من المسئولين عن موقع "فيتو" كى يشكرنى مثلاً على ارتفاع ترتيب الموقع فى قائمة المواقع المصرية الأكثر قراءة، بسبب مقالى، فقلت ربما جحودًا، أو إنكارًا للفضل، لكننى وجدت صفحتى على الـ "فيس بوك" أيضًا خاوية من أى تعليق على المقال، حيث كنت قد نشرته أيضًا فيها.

وفجأة ودونما تخطيط، أراد الله أن ينهى حيرتى، حيث زرت مركز البحوث الزراعية الأربعاء الماضى، لألتقى بالصدفة فى أحد المعاهد التابعة له بعالم جليل من علماء مصر الحقيقيين، هو الدكتور حسام حسن، أستاذ ورئيس معهد بحوث الأشجار الخشبية، الذى كان فى زيارة هو الآخر لزملائه، وتجاذبنا أطراف السياسة، ليعلن الرجل أن "الإخوان" لم يزرعوا شجرة واحدة من المليون التى أعلنوا عنها كدعاية كاذبة للظهور كحملان وديعة.

وحين سألت الرجل عن مصدر معلومته، قال: إنه مسئول عن مشتل كبير فى مركز البحوث الزراعية، وأنه كان قد أرسل إليهم قائمة أسعار الأشجار المتاحة لديه، وأنهم لم يشتروا منه ولا من غيره فى القاهرة الكبرى شجرة واحدة.
ومع صدق الرجل وأمانته، أصابتنى غصة جديدة فى حلقى، وزاد صدرى ألمًا فوق آلامه، لأن كذبة جديدة تم توثيقها بالصدفة فى كتاب الأكاذيب الدعائية لرجال من المفروض أنهم "صدقوا ما عاهدوا الله عليه".

وحين حاولت مازحًا أن أهدد الدكتور حسام حسن بنشر هذه المعلومة، قال الرجل، ما معناه "أنه لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها"، حيث أشار أيضًا إلى أنه ترك الإدارة العامة للغابات والتشجير التى كان يرأسها قبل شهور قليلة، لا لشىء سوى أنه يجيد أبحاث الأشجار، ولا يجيد أفانين السياسة وأكاذيبها.

سألت الرجل عن سبب انهيار الغابات الشجرية التى يطلق عليها اسم "غابات الصداقة"، فضحك الرجل يائسًا أو ساخرًا، وقال: تسألنى عن الغابات البعيدة فى الصحارى، ولا تسألنى عن الحدائق التاريخية فى مصر، وما أعظمها، ومنها: حديقة الأورمان الملكية التى تحوى ثروة من أعظم الثروات التاريخية فى عالم الغابات الشجرية؟
ساعتها أقسم الرجل وهو يعقد وجهه، أن كل شجرة فى حديقتى "الأسماك" و"الأورمان" "بتدعى علينا".

بعد أن ودعت الرجل، تذكرت أن الحديقتين سالفتا الذكر، استضافتا معظم تاريخنا السينمائى، وربما كانتا تثيران غضب "الإخوان"، فالولد الشقى حسن يوسف كان يلتقى حبيباته السينمائيات حول جذوع الأشجار العملاقة فيهما، كما أن عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش وشادية وفايزة ونجاة، وغيرهم، سجلوا أروع أغانيهم تحت ظلالها، وبما أن "الأسماك" و"الأورمان" وغيرهما من متاحف مصر الشجرية، قد تعرضت للإهمال فى عهد مبارك، فقد حمد الله "الإخوان" على أن موتها لن ينسب إليهم، لذا تركوها تكمل موتها البطىء، لأنها استضافت الأعمال الحرام.
لك الله يا مصر.
barghoty@yahoo.com

الجريدة الرسمية