رئيس التحرير
عصام كامل

نبيل العربي...مكانك مش هنا!


المتابع غير المتخصص لما يجري بغزة يدرك أن الجامعة العربية قد قبرت وتعفنت وتحللت وأضحت خيالا من خيالات الماضي الأسطوري، أما المتابع المتخصص فإنه على يقين أن الجامعة العربية قبيل مجيء السيد الدكتور نبيل العربي كان بها بعض نبضات لم يعد لها وجود منذ قدوم سيادته إلى موقعه بليل كانت حلكته أهم سماته، فالرجل منذ أن وصل إلى هنا ولم نسمع في يوم من الأيام عن تحرك محمود أو حتى مذموم وكأنما تم اختطاف الجامعة ورئيسها في ظروف غامضة.

وقد يقول قائل: إن الأمين العام للجامعة العربية لا حول له ولا قوة وأنه مجرد موظف بروتوكولات ليس أكثر ولهؤلاء نقول: إن عليهم أن يراجعوا فيلم «أبو حلموس» أو يقدموه هدية للأمين العام حتى يتعلم قاعدة «شيء لزوم الشيء» وهي القاعدة التي تفرض على صاحبها أن يعمل الأسباب حتى وهو يقوم بدور الميت فالأمور التي نراها أمامنا اليوم تثبت أن الأمين العام لم يقم بدور جيد حتى وهو يمثل دور الميت.

صحيح لا ذنب للرجل في أنه بلا كاريزما حيث لم يمنحه المولى -عز وجل- شيئا منها ولم يبتل بداء العبقرية -لا سمح الله- ولم يتورط يوما في مشاركة فاعلة سواء سياسية أو اجتماعية أو فكرية -لا قدر الله- ولم يكن في يوم من الأيام صاحب موهبة فذة أو حتى عادية، وهو كما يتضح لنا من سيرته ومسيرته رجل طيب لا علاقة له بما نتحدث عنه، ولأن كل مخلوق ميسر لما خلق له فإن سيادته كان ميسرا لالتزام داره بدلا من احتلال دار الجامعة العربية التي سكنها عظماء من قبله.

والفارق بين القائد والمقود هو الفارق بين عمرو موسى ونبيل العربى.. الأول قائد محترف، محنك، صاحب رؤية، خلاق، ديناميكي أما الثانى فهو مقود، هاو، طيب، صاحب مرض، اعتيادى، استاتيكي والفارق بين الاثنين هو الفارق الزمني بين عصور أرادت حبس المواهب فانطلقت رغم كل أغلال القيد وعصور جاءت تحمل شعارات الحرية فوجدت في نماذجها شخصيات لا تقوى حتى على معايشة الحرية.

لم نسمع للرجل صوتا وحتى إن سمعنا له صوتا فإن صوت سيادته خافت، رمادي، لا لون له ولا طعم ولا رائحة.. بالضبط مثل أصوات المتحدثين «عن الاستراتيجيات المنبثقة من الأبعاد الرأسية والأفقية التي تصب في واحدة من حالات اللا وعي». ونتحدى إن كنا قد فهمنا شيئا واحدا مما طرحه الأمين العام أو حتى فهمنا خطة تحركاته، حتى لو كانت تحركات صوتية فقط إذ ليس مطلوبا منه أن يستنهض همما عربية وهنت، ولكن أيضا ليس مطلوبا منه أن يكون جثة بلا حراك.
وحال نبيل العربى من حال الشخصية الملتزمة، فهو ملتزم بإشارة المرور في الشارع وملتزم بإشارة المرور السياسية العربية فهو غير قادر على أن يعيش في جلبابه كشخصية مستقلة، مشغول بما تنتجه العواصم العربية دون تدخل منه أو حتى استشارة أو إشارة أو نصيحة فالرجل ليست لديه نصائح وأهم نصيحة يعرفها في حياته «يا داخل بين البصلة وقشرتها» وكل ما هو عربي بالطبع له مكونان أساسيان «بصلة وقشرتها».

وقد نعاني بحثا عن مآثر للدكتور نبيل العربى فيما تولاه من أمور وظيفية حتى ولو من باب «اذكروا محاسن موتاكم» والموت هنا معنى مجازي ليس مقصودا به الإساءة إلى الرجل فقد حفل تاريخه بما لا أعرف وربما لا يعرف غيري كثيرون. وقد تحاول جاهدا أن تضيف للرجل رصيدا فيما تحمله من مسئوليات جسام في الجامعة العربية فيتحول نضالك إلى بحث في الوهم.. وهم إسناد الوظائف إلى شخصيات أفضل ما يمكن إسناده إليهم هو سيارة تكريم الإنسان.

والجامعة العربية التي قالوا بوفاتها من قبل كانت تتحرك أطرافها على قدر تحرك أمينها العام وتضعف بضعف أداء ذات الشخص، إذ ليس مطلوبا من الأمين العام أن «يشخط» في القادة العرب أو أن يفضحهم على الهواء مباشرة وإنما مطلوب منه على الأقل ألا يكون مثلهم وأن يكون رافدا فكريا خلاقا يضيف إليهم ويفتح أمامهم آفاقا واسعة للرؤية.

والأمين العام للجامعة العربية الدكتور نبيل العربي رجل مخلص، ولكن ليس بالإخلاص وحده تدار مؤسسة مثلها وهو طيب وقد يدخل الجنة ولكن الشعراوي كان أطيب، وهو كما يقول المقربون منه حالم، ولكن الحلم وحده لا يصنع إلا متواكلا لا مستقبل له.. عواصم العالم تتحرك وغزة تحترق، وربما يتصور الرجل أن دعاءه في ليالي رمضان قد ينقذ غزة.. المبادرات تطرح من هنا وهنا والرجل منزو في زاوية مسجد صغير يصلي من أجل الشهداء من الأطفال والشباب والشيوخ.

وعودة إلى ما كان ينبغى أن يكون عليه السيد الأمين العام نبيل العربى فإننا ننصحه لمتابعة إعلان البنك الأهلي المصري حتى يدرك أن مكانه ليس هنا!!.
الجريدة الرسمية