رئيس التحرير
عصام كامل

ميمونة بنت الحارث.. آخر أمهات المؤمنين وحافظة أحاديث الرسول الكريم

فيتو
18 حجم الخط

يمتلئ التاريخ الإسلامي بالعديد من الصحابيات الجليلات اللاتي كن عونا للنبي، ونصرة للإسلام، مما يثبت أن المرأة دائما وعلى مر العصور داعمة للرجل ومكملة له، مما ينفي وبشكل قاطع ادعاءات البعض أن الإسلام يوصي بأن تحتجب المرأة في البيت وأن يكون كل دورها في الحياة هو إنجاب الأطفال فقط.


نقدم خلال الشهر الكريم نماذج من النساء الصحابيات اللاتي تركن بصمات في التاريخ، وكن مثلا يحتذى به لكل النساء في الجهاد والنبل والمشاركة في الحياة جنبا إلى جنب مع الرجل.

ميمونة بنت الحارث بن حزن بن جبير بن الهزم بن روبية بن عبدالله بن هلالبن عامر بن صعصعة الهلالية، آخر زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.

وقد تزوجت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولًا بمسعود بن عمرو الثقفي قبيل الإسلام، ففارقها، وتزوجها أبو رهم بن عبدالعزى، فتوفي عنها وهي في ريعان الشباب، ثم ملأ نور الإيمان قلبها، ثم حظيت بشرف الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت فراغه من عمرة القضاء سنة 7 للهجرة.

ففي السنة السابعة للهجرة النبوية، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة معتمرين، وطاف المصطفى ببيت الله الحرام، وكانت ميمونة بمكة أيضًا ورأت رسول الله وهو يعتمر فملأت ناظريها به حتى استحوذت عليها فكرة أن تنال شرف الزواج من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تصبح أمًا للمؤمنين.

أفضت ميمونة بأمنيتها إلى أختها أم الفضل، وحدثتها عن حبها وأمنيتها في أن تكون زوجًا للرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمًا للمؤمنين، وأما أم الفضل فلم تكتم الأمر عن زوجها العباس فأفضت إليه بأمنية أختها ميمونة، ويبدو أن العباس أيضًا لم يكتم الأمر عن ابن أخيه فأفضى إليه بأمنية ميمونة بنت الحارث.

فبعث رسول الله ابن عمه جعفر بن أبي طالب ليخطبها له، وما أن خرج جعفر رضي الله عنه من عندها، حتى ركبت بعيرها وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أن وقعت عيناها عليه صلى الله عليه وسلم حتى قالت: 'البعير وما عليه لله ورسوله'.

وهكذا وهبت ميمونة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وفيها نزل قوله تعالى: ((وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين)).

ودخلت ميمونة رضي الله عنها البيت النبوي وهي لم تتجاوز بعد السادسة والعشرين، وعند وصولها إلى المدينة استقبلتها نسوة دار الهجرة بالترحيب والتهاني والتبريكات، وأكرمنها خير إكرام، إكرامًا للرسول صلى الله عليه وسلم وطلبًا لمرضاة الله عز وجل.

ودخلت أم المؤمنين الحجرة التي أعدها لها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لتكون بيتًا لها أسوة بباقي أمهات المؤمنين ونساء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا بقيت ميمونة تحظى بالقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتفقه بكتاب الله وتستمع الأحاديث النبوية من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتهتدي بما يقوله، فكانت تكثر من الصلاة في المسجد النبوي لأنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: 'صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلى المسجد الحرام'.

وظلت ميمونة في البيت النبوي وظلت مكانتها رفيعة عند رسول الله حتى إذا اشتد به المرض عليه الصلاة والسلام نزل في بيتها، ثم استأذنتها عائشة بإذن النبي صلى الله عليه وسلم لينتقل إلى بيتها ليمرض حيث أحب في بيت عائشة.

وبعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، عاشت ميمونة رضي الله عنها حياتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم في نشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم بين الصحابة والتابعين؛ لأنها كانت ممن وعين الحديث الشريف وتلقينه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأنها شديدة التمسك بالهدي النبوي والخصال المحمدية، ومنها حفظ الحديث النبوي الشريف وروايته ونقله إلى كبار الصحابة والتابعين وأئمة العلماء.

وكانت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها من المكثرات لرواية الحديث النبوي الشريف والحافظات له، حيث إنها روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ستًا وسبعين حديثًا.

وعكفت أم المؤمنين على العبادة والصلاة في البيت النبوي وراحت تهتدي بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتقتبس من أخلاقه الحسنة، وكانت حريصة أشد الحرص على تطبيق حدود الله، ولا يثنيها عن ذلك شيء من رحمة أو شفقة أو صلة قرابة، فيحكى أن ذا قرابة لميمونة دخل عليها، فوجدت منه ريح شراب، فقالت: 'لئن لم تخرج إلى المسلمين، فيجلدونك، لا تدخل على أبدا'.

عاشت ميمونة رضي الله عنها الخلافة الراشدة، وامتدت بها الحياة إلى خلافة معاوية رضي الله عنه.
وقيل إنها توفيت سنة إحدى وخمسين بسرف ولها ثمانون سنة، ودفنت في موضع قبتها الذي كان فيه عرسها رضي الله عنها، وهكذا جعل الله عز وجل المكان الذي تزوجت به ميمونة هو مثواها الأخير.
الجريدة الرسمية